محمد هادي معرفة

440

التمهيد في علوم القرآن

فانظر أيّها المتأمّل إلى هذه النكت الدقيقة التي تمرّ عليها في آيات الذكر الحكيم ، وأنت تظنّ أنّك فهمت فحواها ، واستنبطت مغزاها . وعلى هذا الأسلوب يجري الحكم في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد ، كقوله تعالى : حم . وَالْكِتابِ الْمُبِينِ . إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ . فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ . رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ « 1 » وفائدة العدول في قوله رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ هو تخصيص النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) بالذكر ، وأنه المقصود بالذات من هذا النزول . قال « 2 » : وإذا تأمّلت مطاوي القرآن الكريم وجدت فيه من هذا وأمثاله الشيء الكثير . وانّما اقتصرنا على هذه الأمثلة المختصرة ليقاس عليها ما يجري على أسلوبها ، فيتدبّر المتدبّرون . وأمّا الرجوع من الخطاب إلى الغيبة ، فكقوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ « 3 » انظر إلى هذا الكرّ والفرّ ، والاستطراد والرجوع ، والمداورة العجيبة في الكلام . فقد بدأ الحديث بخطاب الجمع ، وعاد إلى الغيبة في فصل طويل ،

--> ( 1 ) الدخان : 1 - 6 . ( 2 ) ابن الأثير في المثل السائر : ج 2 ص 178 . ( 3 ) يونس : 22 و 23 .